إن لم تكن ذئباً أكلتك الذئابُ

هذه هي المقولة التي يُربّى عليها معظم اللبنانيين، ضف اليهم ما يكتسبونه من مصاعب وخبرة الحياة في المجتمع اللبناني. لا يتخلّى اللبناني عنها مهما حصل، فهو يصرّ على أنها الوحيدة التي تضمن بقاءه واستمرار نسله.

لكنّ المفاجأة تأتي كل أربع سنوات وذلك في يوم الانتخابات النيابية (بشكل عام). ففي هذا النهار تنقلب القاعدة رأساً على عقب، إذ يختار اللبناني أن يحمي ويضمن بقاءه وبقاء عائلته عبر التحوّل من ذئب الى غنمة في قطيع الزعيم القائد الطائفي الذي يقدّم «الدعم والضمانات» الكافية لمواجهة زعماء الطوائف الأخرى. وعملاً بقاعدة كما أنتم يُولّى عليكم، فالزعيم الطائفي أيضاً. المفترض أن يتحوّل «الذكر القائد» في القطيع الى غنمة في قطيع الزعيم الدولي الذي يقدّم بدوره «الدعم والضمانات» الكافية لمواجهة الزعماء الدوليين الآخرين.

هذا التفكير المحدود يمكن تبريرُه بحجة الفقر نعم، من المتوقع أن يتخلّى شخص ما عن أهم مبادئ حياته لقاء حفنة من الدولارات، فكما يقول المثل الشعبي «الجوع كافر». ولكنّ المستغرب، هو أنّ هذا السلوك البدائي يطبّقه اللبناني غنياً كان أم فقيراً، مثقّفاً أم جاهلاً، متعلّماً أم أمّياً.

ومن المستغرب أكثر، هو أنّ اللبناني معروف بتأقلمه و«تمسحته» على كل الأصعدة، والدليل على ذلك تفوّقه ونجاحه عندما ينتقل الى الخارج. سبب هذا التأقلم هو المصاعب التي يجب على اللبناني أن يواجهها للعيش، قدر الإمكان «بكرامة» في لبنان. فهو ساعة بعد ساعة، يوماً بعد يوم وسنةً بعد سنة، يتعلّم من أخطاء الماضي لمواجهة مشكلات المستقبل.

أما فيما يتعلّق بالانتخابات، فاللبناني مصرّ على ألّا يتعلّم من أخطائه في الماضي وأن يستمرّ بسلوكه المعتاد في هذا اليوم. فإن لم تكن المشكلة متعلّقة بالمال أو الثقافة أو التعليم، ما هو السبب الحقيقي الذي يسجن اللبناني في طريقة التفكير تلك؟

الجواب على هذا السؤال سهل جداً، فهو أمامنا، لكن يجب تسليط الضوء على هذه الحقيقة التي هي نائمة نوماً عميقاً وطويلاً في ظلام، خلقه وحصّنه رجال الطائفية السياسة عبر خلق نظام الفساد والرشوة والمحاصصة في كامل مؤسسات وأجهزة الدولة. هذه الحقيقة هي الخوف من الآخر. الآخر المختلف مناطقياً، طائفياً، دينياً أو سياسياً.

إنّ هذا الاختلاف الذي هو غنى في المجتمعات الأخرى، هو أهم وأكبر مشكلاتنا، إذ يستخدم رجل الطائفية هذا الاختلاف لزرع الخوف في نفوس ناخبيه، قائلاً «غداً سيأكلوننا إن لم نكن متّحدين». إنّ «ن» الجمع في هذه العبارة تعني الطوائف الأخرى. ألم يقتنع اللبنانيون بعد أنه لا يمكن لأحد، مهما كان قوياً، أن يلغي مكوّناً آخر في البلد مهما كان ضعيفاً؟

إنّ المدهش في هذا الواقع، أنّ اللبناني رأى بأمّ العين ما حصل له جراء هذا السلوك لمدة خمسة عشر عاماً من حرب قاسية، مميتة ومفجعة ورغم ذلك لم يرَ اللبناني بعد أنه عندما سيغرق جزء (بمعنى الطائفة)، ولو كان صغيراً من المركب سيغرق المركبُ بأسره، لا محال. فإن لم تكن أوّلَ الغارقين لا يعني ذلك أنك نجوت من الغرق.

ماذا لو استبدلنا معنى «ن» الجمع، لتشير الى البلدان الأخرى؟ فتصبح العبارة «غداً سيأكلوننا إن لم نكن موحَّدين».

الأمل هو عندنا وفينا، نحن الشباب المثقف، المتعلّم والأهم أنّ هذا الشباب هو الذي يتعلّم من أخطاء أهله وغيره، لكي يكسر هذا السلوك البدائي الانتخابي ويبدأ بالتفكير لمدى أبعد وأرحب. ففي البلدان «المتطوّرة» يقرّون حالياً مشاريع لسنة 2050، أما نحن في لبنان فلم نستطع أن نقرّ الموازنة العامة منذ 2005. 

السبت ۰٣ / ۱۱ / ۲۰۱۸
للمزيد من المعلومات يرجى العودة إلى المصدر : جريدة الجمهورية - 419 views
 
Copyright © 2012 Lebanese Info All rights reserved.
Swiss Made - A realization by THALES IT